لماذا لا يكتب السعداء؟

كلما كان العمل الأدبي شاعرياً مبكياً مخيفاً يشتت العقل واللب.. كان أقرب للقلب.

لماذا لا يكتب السعداء؟

ولماذا يخيم الحزن أو النقد أو السخرية اللاذعة على جل الأعمال الأدبية الشهيرة؟!

هل يعقل أن الكاتب يتلذذ بتعذيب القارئ والإيقاع به

حقيقة أصدق مقولة (الحزن يُكتب والفرح يُعاش)

حين يكون الشخص في قمة سعادته لن يجد وقتا ليكتب فالفرح لا قيود فيه، يستطيع الشخص التعبير بكل الطرق والوسائل دون خوف. 

وتظل الكتابة مهما بلغت بلاغتها وروعة صياغتها تنقصها لغة العيون، ونبرة الصوت، واللمسات. 

فالفرح قد يكون نظرة لا يُنبس بها، أو لمسة دافئة لا يمكن كتابة درجة دفئها وقربها من القلب.

في حين أن الحزن يملك جميع ما قد سبق لكن إظهاره ليس بالأمر السهل، قد يعود على صاحبه بالندم، فيفهم خطأً أو يجلب لنفسه المصائب إن تكلم. 

تبقى الكتابة منفساً لا بأس به في هذه الحالة، تخفف من وطأة الألم في القلب، وتحمل عن العقل كتفاً، وتُشبِع لدى الكاتب غريزة الانتقام ولو بشكل معنوي، فقد يحول الورقة لمعركة دامية ويخرج منتصراً، أو قد يدوِّن إنجازتٍ لم يستطع القيام بها حقيقة فيُشبع رغبة نيل الأوطار والمطالب أيضاً.

لا حدود ولا خطوط حمراء في الكتابة، لذلك الحزين يرى فيها ملاذه وباب حريته، تجده ينكفئ عليها كلما ضاقت به السبل وانقطعت الوسائل، فلا يكتفي حتى تُشفى جروح روحه أو تُضمد في أقل تقدير.

ربما  يكتب أحدهم في حالة الحزن ما يمنع عنه الدخول في دوامة الاكتئاب فيعود له وعيه، وتخمد شرارة حزنه.

وهي إحدى وسائل مراجعة النفس ومحاسبتها، فكم من خصلة جميلة طُوِّرت حين دونت والعكس صحيح. 

لا يعني أن الفرح لا يُدون لكن ذكراه في الذهن تبقى أجمل وأكمل، ونحب أن نستشعر اللحظة الجميلة ولو نسينا بعض تفاصيلها وهذا كما قلت لا تمنحه لنا الكتابة، بعكس الحزن الذي يكفينا أن تنذكر أحداثة دون استشعار الآلام وذات المشاعر.

Advertisements

سامحيني يا صغيرتي

سامحيني يا صغيرتي
ففي معتركات الحياة قرارات مصيرية تجبرني أن أبدو قاسة معك وغير مبالية.
كانت تزعجني جداً تصرفات الآباء القاسية والتي كنت أرى فيها الجور تحت عنوان: (أريد مصلحتك يا طفلي) وأردد أي مصلحة تلك التي تجعل طفلك يبكي أمامك وينتحب من حزنه وأنت غير مبالٍ أبداً بل وتتفاخر أمام غيرك بأنك منعت طفلك أو أجبرته على شيء ما، واليوم مع الأسف أفعل ذات الشيء معك وكلِّي حزن وأسى، فلست سوى مقلدة أمشي على ذات الطريق أحذو حذو الآباء السابقين، لكني أيقنت أن الذنب الأول الأخير يقع على عاتق الآباء.

فلو لم أقبل منذ البداية أن تتعلقي برضَّاعتك إلى هذا الحد وتداركت الموضوع من بدايته فقننت استخدامك لها، ونظمت عدد رضاعتك لما عانيتِ وعانيتُ معك لفراقها، عندما يهمِل الوالدين تدارك الأمور من أولها سيتعبون ويتعبون أطفالهم معهم بعد ذلك.

لا أجد المتعة فيما أفعله اليوم، ولا تحسبي أن بكاءك وترجيك لا يقطع قلبي ويذيب فؤادي، ولا أدري إن كان الله سيسامحني على تقصيري منذ البداية أم لا!
لكن أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل، وأن أتدارك الأمر اليوم ولو كان متأخراً خير من أن أتأخر أكثر فأظلمك أكثر.

وكلما كان حرمان الطفل أو إجباره على شيء أصعب، كان حجم المشكلة التي سببتها للطفل أكبر، وتقصيرك أعظم.

ولا ألوم إلا نفسي وتقصيري وأتمنى أن أتنبه اليوم لما قد أندم عليه مستقبلاً، وليت الله يمسح من ذاكرتك هذه الأيام العصيبة فيسامحني وتسامحينني.

لا تنبش بمذكراتك! 

.. 

لا تنبش بمذكراتك لأنك ستكبي! ولن تجد يداً تطبطب على كتفك لأجل ذكريات مضت! 

على ماذا لا أردي، ولماذا أيضاً لا أدري.. 

لا أفتأ أكرر هذه العادة السيئة، أنبش في مذكراتي عن شيء ما لم أعد أتذكره الآن لأعيش ذات الذكريات وذات التجربة كأنها تحدث الآن.. 

هذا ما يجعلني أحب تخليد ذكرياتي بالصور أو الكتابة، لأنني على يقين أنني سأعود لها يوماً ما ولو بعد سنين..

لم أجد مثل الكتابة مخلداً ناجحاً لأجمل المشاعر وأقواها، وأسوأ المواقف وأحزنها..

أحياناً أعود لما كتبت بعد سنين طويلة لأقرر أنه الآن انتهي دورها ويجب أن تحذف، يجب أن تختفي إلى الأبد، أحذفها فوراً دون تردد، أخاف إن تركتها أن أعود إليها مرة أخرى وأعيش التجربة مراراً، وهذا سيء حتماً

يكفي أن أعود إليها مرة واحدة ثم أشعر بالنفور الشديد منها..
والغريب أن بعض الذكريات أعود إليها لأجد نفسي لا أقيم لها وزناً، ولم تؤثر فيَّ أبداً.. 

أستاء من هذه الحالة فأنا لم أكتب لأقرأ بل لأعيش التجربة، ولكني أعلم أن في هذا سبباً وحكمة، فالسبب قد يكون هو تحول المشاعر كلياً عن هذا الشيء، فما كان يثير حفيظتي سابقاً لم يعد كذلك الآن لذلك لم أتأثر، والحكمة حتى أريح عقلي من عناء التفكير وتكرار الشريط مرارً وتكرارا.. 

ولكني لازلت أحب مشاعري في كل موقف وأحب ما أكتبه وما أحتفظ به، وأستعرض فيه تسلسل شخصيتي وتطور كياني ومشاعري. 

أم سَلَمة

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عندما نريد أن نغوص بأعماق تفاصيل حياة أمٍ وزوجة غدت بطرف عينٍ فاقدةً لكل شيء!! كلَّ شيء

فاقدةً للأمن والأمان، فاقدة للأهل والصحاب، فاقدة لفلذة كبدها، فاقدة لزوجها وسندها..

كل شيء مضى على عجل!

دعونا نتخيل القصة وكأنها تحدث في زمانا الحالي ووضعنا الراهن:

هند بنت أبوها سيِّدٌ من سادات «مخزومٍ» المرموقين، وجوادٌ من أجواد العرب المعدودين، حتَّى إنَّه كان يقال له: «زاد الرَّاكب» (1)، لأن الرُّكبان كانت لا تتزوَّد إذا سارت في صحبته حيث كان لا يدع أحدا يسافر معه حاملاً زاده، بل كان هو الذي يكفيهم..

وأمَّا زوجها فعبد الله بن عبد الأسد أحد العشرة السَّابقين إلى الإسلام؛ إذ لم يسلم قبله إلاَّ أبو بكرٍ الصِّدِّيق ونفرٌ قليلٌ لا يبلغ أصابع اليدين عددًا.

أُمُّ سَلَمَةَ

أَيِّمُ العَرَبِ

«لَمْ تَبْقَ هِنْدٌ بنت سهيل المَخزُومِيَّةُ أُماً لِسَلَمَةَ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا غَدَتْ أُماً لِجَمِيعِ المُؤمِنِينَ»

أمُّ سلمة، وما أدراك ما أمُّ سلمة؟!.

عندما قررا الهجرة إلى المدينة كان عمر طفلها سلمة سنتين ونحوها شابة يافعة مسلمة تهاجر  وتعود أم سلمة رضي الله عنها مع زوجها إلى مكة مستخفيةً عن أنظار الظالمين، وتمضي معه فيها أيام الصبر، والمصابرة في سبيل الله، فأحياناً الإنسان قد يعاني بعض المتاعب بسبب إيمانه، قد يعاني بعض المتاعب بسبب إسلامه، قد يعاني بعض المتاعب بسبب استقامته، قد يعاني بعض المتاعب بسبب ورعه.

أم سلمة رضي الله عنها, هاجرت في سبيل الله هجرتين، نحن عشنا في زمن المرأة لا تشارك الرجل في العمل الطيِّب، وفي الإيمان، وفي الانتماء إلى دين عظيم، وفي الدفاع عن هذا الدين، كأنها من سَقَطِ المتاع عند حال المسلمين في التخلُّف، المسلمون حينما تخلّفوا كانت المرأة من سقط المتاع (سقط المتاع هو ما لا خير فيه من كل شيء)، أما هي في الإسلام بطلة، هي في الإسلام مساويةٌ للرجل تماماً؛ في التكليف والتشريف والمسؤوليَّة .

فامرأةٌ تهاجر من مكة المكرَّمة إلى الحبشة، وتهاجر من مكة المكرَّمة إلى المدينة، لماذا تهاجر؟ لأنها أبت أن تخضع لضغط الكفار، هي أول من هاجر إلى الحبشة من النساء.

أما هجرتها إلى المدينة فشيءٌ لا يصدَّق، تقول أم سلمة:

((لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة, رحَّل بعيراً له، وحملني، وحمل معي ابني سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلما رآه رجالٌ من بني المغيرة قاموا إليه, فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها, -بنو المغيرة من؟ قوم أم سلمة- أرأيت صاحبتنا هذه لا نتركك تسير بها في البلاد, -ممنوعة من المغادرة- ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد, -من هم بنو عبد الأسد؟ قومه- وأهووا إلى سلمة, أخذوا سلمة, وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها, ما دمتم قد أخذتم هذه المرأة من زوجها, ومعها ابنها، فتجاذبوا سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق بنو عبد الأسد, ورهط أبي سلمة، وحبسني بني المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة، ففرِّق بيني وبين زوجي وابني, فكنت أخرج كل غداةٍ, أجلس بالأبطح, فما أزال أبكي حتى أمسي، سبعاً أو قريبها, حتى مرَّ بي رجل من بني عمي، فرأى ما في وجهي من البكاء ، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة, فرقتم بينها وبين زوجها، وبينها وبين ابنها؟ فقالا: الحقِي بزوجك إن شئتِ, وردَّ عليَّ بنو عبد الأسد عند ذلك, -أي أعطوها ابنها-, فرحَّلت بعيري .

-امرأة وحدها تركب بعيراً، ومعها ابنها، تنطلق من مكة إلى المدينة، الآن خمس ساعات، أما وقتها اثنا عشر يوماً، ليلا ونهارًا، وفي الصحراء، والذي ذهب من مكة إلى المدينة بالسيارة, يعرف ما معنى أن تمشي امرأةٌ وحدها على بعير أربعمئة وثمانين كيلو متر تقريباً؟- .

-أحياناً في بعض الزيارات إلى المدينة, نركب السيارة، ويؤشِّر عدَّادها إلى مئةٍ وخمسين، أو إلى مئةٍ وثمانين، ونقول: ما أطول هذا الطريق؟ ساعاتٌ كثيرة، أما إذا سرنا على سرعة مئة، لا بدَّ من ست ساعات كي تصل إليها، وقد تجد هذه الساعات الست, تعني ستة شهور، فكيف بامرأةٍ تركب بعيرها، وتسير من مكة إلى المدينة، مسافة قريباً من خمسمئة كيلو متر؟- .

فرحَّلت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي من أحدٍ من خَلق الله، فكنت أبلُغ من لقيت، حتى إذا كنت بالتنعيم, لقيت عثمان بن طلحة، فقال: أين ذاهبةٌ يا بنة أبي أمية؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة، فقال: هل معكِ أحد؟ فقلت: لا والله إلا الله، وابني هذا .

-انظر الشوق إلى رسول الله، الحقيقة الخروج غير مشروع، بالأحكام الفقهيَّة غير مشروع، لكن هذا الأمر في بداية الإسلام، امرأةٌ آمنت برسول الله، والنبي في المدينة، وأصحابه في المدينة، وزوجها في المدينة، فأرادت أن تخاطر- .

فقال: والله ما لكِ من منزلٍ, فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يقودني، فو الله ما صحبت رجلاً من العرب أراه أكرم منه .

-الآن دقق في قول النبي الكريم:

((خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا)) خاطب النبي رجلاً قال له:((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ))

إذا نزل المنزل أناخ بي، ثم تنحَّى إلى شجرةٍ بعيدة، فاضطَجع تحتها، فإذا دنا الرواح, قام إلى بعيري, فقدَّمه إلي ورحَّله، ثم استأخر بعيداً كي أركبه، فإذا ركبت، واستويت على بعيري, أتى فأخذ بخطامه, فقادني حتى نزلت .

فلم يزل يصنع بي هذا، حتى قدم بي المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عبد عوف بقباء قال: إن زوجكِ في هذه القرية، وكان أبو سلمة نازلاً بها .

فيستقبل أبو سلمة أم سلمة وابنها معه بكل بهجةٍ وسرور، وتلتقي الأسرة المهاجرة بعد تفرُّق وتشتُّت وأهوال، ويلتئم شمل أسرة أبي سلمة في المدينة بكل طمأنينةٍ وأمان، وتحيا فيها الحياة الطيبة المباركة كأعز أسرةٍ وأكرمها)).

ولما استقرَّت أسرة أبو سلمة في المدينة رزقهما الله ثلاثة أطفال فأصبح لديها أربعة (سلمة، وعمر، ودرة، وزينب) عكفت زوجته على رعاية صغارها وتربيتهم ، وتفرَّغ أبو سلمة للدعوة إلى الله تعالى في المدينة، وللجهاد مع رسول الله, دفاعاً عن هذا الدين العظيم.

وفي سهرة صفاء ذات يوم كان الزوجان يتسامران قالت هند لأبي سلمة:

((بلغني أنه ليس امرأةٌ يموت زوجها، وهو من أهل الجنة، ثم لم تتزوج , إلا جمع الله بينهما في الجنة, فتعال أعاهدك ألا تتزوج بعدي, وألا أتزوج بعدك, فقال: أتطيعينني؟ قالت: نعم, قال: إذا متُّ تزوجي، اللهمَّ ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني لا يحزنها ولا يؤذيها)).

من هذه المحاورة التي جرت بين الزوجين , تستخلص إدراكين مختلفين كل الاختلاف من حيث المضمون، ومتفقين معاً من حيث الهدف، أما الاختلاف, فإن الأول يتَّجه نحو التيتُّم على الزوج الراحل، والترمُّل من بعده أمد الحياة، وأن الثاني يتجه نحو محو الآثار بعد انقضاء العدَّة, بالزواج من رجل, يأمل أن يكون خيراً منه .

الزوج الصالح يرى أن سعادته تتحقَّق في هناء زوجته في دنياه، وبعد مماته، فإن كان هناؤها يتحقَّق بالزواج برجلٍ صالحٍ بعده فذلك غايته، وهذا ما كان يأمله أبو سلمة , أن تحيا من بعده حياةً طيبةً كريمة، وقد حقَّق الله تعالى له أمله، ما الذي حصل؟

هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم :

الأول : أنها تكون مع أحسنهم خلقاً كان معها في الدنيا .

والثاني : أنها تُخيَّر بينهم .

والثالث : أنها لآخر أزواجها .

وأقرب هذه الأقوال وأصحّها هو القول الثالث وفيه حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ” أيما امرأة تُوفي عنها زوجها ، فتزوجت بعده ، فهي لآخر أزواجها “.

، هو أراد لها الهناء، وهي أرادت له الوفاء، أرأيتم إلى هذا؟! .

طبعاً هي كانت ترى أن من الوفاء أن تبقى على ذكراه لا تتزوج ولا تحب بعده، لكن الإسلام أباح الزواج بعد وفات الزوج أو الزوجة، من الخطأ أن ننظر أو ينظر المجتمع إلى المتزوجة بعد زواجها نظرة العتب والخيانة وأنها نسيت العشرة، فالإسلام عندما يبيح أمراً ففيه خير كثير للجميع ولا يجوز أن يوصف بالخيانة!!

والدليل على إباحة واستحباب الزواج للأيم قوله تعالى ({وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

شهد أبو سلمة غزوة بدرٍ، وكان أحد جند الإسلام الأولين كما كان في مكة أحد السابقين، وينال بهذا شرفاً على شرف، ثم يشهد أُحُدًا، ويبلي فيه بلاءً عظيماً، إلى أن رمي بسهمٍ في عضده، مكث بعد ذلك يداويه, حتى ظنَّ أنه قد التأم، وبرئ من جرحه. ما لبث أن انفض جرحه الذي أصابه إلى أحد، فأخلد إلى فراشه , تمرِّضه أم سلمة

إلى أن حضره الأجل، فدعت له رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فجاءه وهو على فراش الموت، وبقي إلى جانبه, يدعو له الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء على ما أبلى في سبيله، ويمضي أبو سلمة إلى جوار الله عزَّ وجل، وقلبه يخفق بدعواتٍ إلى الله، بأن يخلِف عنه في أهله خيراً، فقد قال عند وفاته: ((اللهمَّ اخلفن في أهلي بخير)).

وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ   – الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ   – أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .

وتذكرت حديثاً نقله زوجها عن النبي صلى الله عليه وسلم  يقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ‏ “‏ مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ‏”‏ ‏.

مثل آية (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة) جاء بعده فصار مكانَه، قامَ مقامه.

وأجرني في مصيبتي أي أكتب لي الأجر

قالت: فلما مات، قلت: من خيرٌ من أبي سلمة؟ لا أحد، فزوجها في نظرها أعلى رجل، أبو سلمة كان بطل، النبي ولاه على المدينة، رسول الله يوليه على المدينة في غيبته، أي أنه نائب رسول الله، قال لها: تزوجي بعدي، اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني، لا يحزنها، ولا يؤذيها

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:

(«وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. 156-الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»..

إنا لله..كلنا.. كل ما فينا..كل كياننا وذاتيتنا..لله.. وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير..التسليم.. التسليم المطلق.. تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهاً لوجه بالحقيقة الوحيدة، وبالتصور الصحيح.

هؤلاء هم الصابرون ..الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل..)

ويقول الشيخ الشعراوي في تفسيره:

(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)

والمصيبة هي الأمر الذي ينال الإنسان منه المشقة والألم، وهي مأخوذة من إصابة الهدف. والمؤمن يستقبل المصيبة واثقا أنها على قدر إيلامها يكون الثواب عليها، ولذلك عندما فرح الكفار بما يصيب المسلمين في بعض المعارك، أنزل الله ذلك القول الحق للمؤمنين: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} [التوبة: 51]

أي قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء الحمقى من الكافرين: إنه لن يحدث لنا إلا ما كتبه الله.

وعندما نتأمل قوله الحق: {مَا كَتَبَ الله لَنَا} أي أن المسألة ستكون لحسابنا، وسنأخذ عليها حسن الثواب من الله، ولم يقل الحق: كتب الله علينا، لأنها لو كانت كذلك لكان معناها أنها جزاء وعقاب من الله.)

{إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. إننا بهذا القول ننسب ملكيتنا إلى الله ونقبل ما حدث لنا. ولابد لنا هنا أن نأتي بمثال ولله المثل الأعلى هل رأيت إنسانا يفسد ملكه؟ أبداً.

إن صاحب الملك يعمل كل ما يؤدي إلى الصلاح في ملكه، وإن رأى الناس في ظاهر الأمر أنه فساد، فما بالنا بالله سبحانه وتعالى ونحن ملك له، وهو سبحانه لا يُعرِّض ملكه أبداً للضرر، وإنما يقيمه على الحكمة والصلاح.

{إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي نحن مملوكون لله، ونحن راجعون إليه، وحتى إن كان في مصائب الدنيا ظلم لنا وقع علينا من إنسان، فسوف نأخذ ثواب ما ظُلمنا فيه عند الرجوع إلى الله، إذن فنحن لله ابتداء بالملكية، ونحن لله نهاية في المرجع؛ هو سبحانه ملك القوسين؛ الابتداء والانتهاء، ولذلك علمنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عند أي مصيبة تصيب الإنسان أن يسترجع؛ أي أن يقول: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .

وزادنا أيضا أن نقول: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها» إنك إذا ما قلتها عند أي مصيبة تصيبك فلا بد أن تجد فيما يأتي بعدها خيراً منها، وحتى إن نسى الإنسان أن يقول ذلك عند وقوع المصيبة، ثم تذكرها وقالها فله جزاؤها، كأنه قالها ساعة المصيبة.

وماذا يكون حال الذين يقولون هذا الدعاء؟ ها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: {أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ…}

يعني تعالى ذكره بقوله:”أولئك”، هؤلاء الصابرون، الذين وصفهم ونَعتهم –“عليهم“، يعني: لَهم

“صلوات”، يعني: مغفرة.”وصلوات الله” على عباده، غُفرانه لعباده.

وقوله:”ورحمة”، يعني: ولهُم مع المغفرة، التي بها صَفح عن ذنوبهم وتغمَّدها، رحمة من الله ورأفة.

ثم أخبر تعالى ذكره -مع الذي ذكر أنه مُعطيهم على اصطبارهم على محنه، تسليمًا منهم لقضائه، من المغفرة والرحمة-أنهم هم المهتدون، المصيبون طريق الحقّ، والقائلون مَا يُرْضى عنهم والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب.  معنى” الاهتداء” فإنه بمعنى الرشد للصواب.

زواج أم سلمة من النبي:

عندما انقضت عدتها بعث إليها أبو بكر يخطبها فلم تتزوجه وعمر أيضاً فردته ، ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وكان زوجها رحمه الله أخوه من الرضاعة .

فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. أَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى وَأَنِّي مُصْبِيَةٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ. فَبَعَثَ إِلَيْهَا رسول الله. ص: أَمَّا قَوْلُكِ إِنِّي مُصْبِيَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَكْفِيكِ صِبْيَانَكِ. وَأَمَّا قَوْلُكِ إِنِّي غَيْرَى فَسَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ غَيْرَتَكِ. وَأَمَّا الأَوْلِيَاءُ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَاهِدٌ وَلا غَائِبٌ إِلا سَيَرْضَانِي. قَالَ: قَالَتْ: يَا عُمَرُ قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ.

تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام سنة أربعٍ من الهجرة في شوال، وكانت من أجمل النساء، وأشرفهن نسباً، وأوفرهن عقلاً، كان عمرها قريباً من خمسٍ وثلاثين سنة،

سبحان الله أم سلمة بعد انقضاء عدتها يذهب إليها النبي خاطبا، فقيل لها: أوجِدَ خير من أبي سلمة أم لم يوجد؟ قالت: ما كنت لأتسامى أي أتوقع مثل هذا الموقف

صفاتها وأخلاقها:

كان لأم سلمه رأي صائب أشارت على النبي يوم الحديبية، وذلك أن النبي{عليه الصلاة والسلام}  لما صالح أهل مكة وكتب كتاب الصلح بينه وبينهم وفرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم حلقوا . فلم يقم منهم رجل بعد أن قال ذلك ثلاث مرات. فقام رسول الله فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة فنحر بدنته ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا. [كناية عن سرعة المبادرة في الفعل.

وتعد أم سلمة خير مثال يجب على أمهات وزوجات اليوم الاحتذاء به من خلال تربيتها لأولادها التربية الأخلاقية الكريمة. وكانت خير زوجة وأم صالحة، تملك العقل الراجح، والشخصية القوية، وكانت قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها، وتتسم شخصيتها بحسن الأخلاق والأدب، وهذا ما يندر في كثير من الأمهات والزوجات في وقتنا الحالي. كالعناية بالزوج، والنظر في أمور الأطفال، ومساعدة الزوج في أصعب الأوقات، وتقدير حال زوجها. كل هذا نفتقده في أمهات وزوجات اليوم، وذلك لاستهتارهن بأمور تربية الأطفال، وإهمال الزوج وعدم رعايته، ومبالغتهن واهتمامهن بأمور الدنيا والتي غالبا ما تكون زائفة لا معنى لها.

مروياتها رضي الله عنها وتلاميذها:

روت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها الكثير الطيب، إذ تعد ثاني راوية للحديث بعد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها،

من طرائف الغيرة بين نساء النبي:

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمَّ سَلَمَةَ حَزِنْتُ حُزْنًا شَدِيدًا لِمَا ذَكَرُوا لَنَا مِنْ جَمَالِهَا. قَالَتْ: فَتَلَطَّفْتُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا فَرَأَيْتُهَا وَاللَّهِ أَضْعَافَ مَا وُصِفَتْ لِي فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ. قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَفْصَةَ. وَكَانَتَا يَدًا وَاحِدَةً. فَقَالَتْ: لا وَاللَّهِ إِنْ هَذِهِ إِلا الْغَيْرَةُ. مَا هِيَ كَمَا يَقُولُونَ. فَتَلَطَّفَتْ لَهَا حَفْصَةُ حَتَّى رَأَتْهَا فَقَالَتْ: قَدْ رَأَيْتُهَا وَلا وَاللَّهِ مَا هِيَ كَمَا تَقُولِينَ وَلا قَرِيبٌ وَإِنَّهَا لَجَمِيلَةٌ. قَالَتْ: فَرَأَيْتُهَا بَعْدُ فَكَانَتْ لَعَمْرِي كَمَا قَالَتْ حَفْصَةُ وَلَكِنِّي كُنْتُ غَيْرَى.

رسول الله إذا صلى العصر دخل على نسائه فبدأ بأم سلمة وكان يختمها بعائشة رضي الله عنهن.

وكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين، فتوفِّيت سنة إحدى وستين من الهجرة، وعاشت نحواً من تسعين سنة .

أُمُومة وأُبُوَّة

IMG_20151216_083740.jpg

أُمُومة وأُبُوَّة

إن كان الحب محور حديث العشاق وحكايات الرواة، وبه يطرب المغنون وترقص القلوب فرحاً بذكره، فهذا كله لا يساوي ضمة تضمها الأم لطفلها ولا يساوي قبلة تهديها له.. كل حب الدنيا لا يذكر حين نقارنه بحب الأم أو الأب لطفلهما.

لم أكن أتوقع أن أحب أطفالي إلى هذا الحد!

كنت أردد بيني وبين نفسي ماذا يفرق طفلي عن أي طفل آخر؟!

هل تستحق الأمومة كل هذه التضحية التي تقدمها الأمهات؟!

تنهك جسدها وتخسر جمالها ورشاقتها وصحتها، تسهر الليالي وتزداد همومها وخوفها، كنت سطحية!

أتكلم بلسان العقل ولسان من لم يجرب

لم أشعر بأهميتي وقيمتي بقدر ما شعرت بها مع ابنتي، لم أعلم معنى أن تضحي بحب وبدون ندم حتى جربته مع ابنتي، لم أعطِ أحداً من البشر اهتماماً وعطفاً وحباً كما أعطيتُ ابنتي، وأتوقع أن لا أحزن على أحد قدر حزني على ابنتي إن أصيبت بمكروه لا قدر الله.

الأمومة ليست كأي شعور في الحياة ولا تشبه أي حب ولا تُعوض بأي شيء آخر، بها تكتمل أنوثة المرأة وسعادتها، تضيف لحياة الزوجين طعماً رائعاً لا يضاهَى، فتقربهما من بعضهما ويسعيان سوياً لإسعاد الأبناء والقيام على راحتهم، ينتظران منهم الجديد ويفرحان به.

كنتُ اسأل نفسي ما المميز في أن يحبو طفلي! أو ما المثير حين أراه يرفع رأسه أو يتشقلب؟! إنها حركات عادية وكل الأطفال سيمرون بنفس مراحل التطور هذه، في الحقيقة أن الأهل لا يرون أطفالهم مجرد أطفال عاديين كما ينظر لهم الآخرون، الأبوان يريان أطفالهم مختلفين تماماً لا يشبهون أحداً من الأطفال، أطفالهم هم الأجمل والأذكى والأوعى، ولو قام طفل آخر بنفس ما قام به طفلهم لوجدوا ما عند طفلهم أجمل .

كما لو أنك وضعت بذرة في التربة واعتنيت بها وسقيتها وتابعت نموها ساعة بساعة كم ستكون فرحتك حين ترى أول عود أخضر يشق التربة ليخرج إلى العالم وكم ستكون فرحتك حين تظهر أول ورقة ثم أول زهرة.. وستكون أول ثمرة أنتجتها نبتتك لها طعم آخر ، وماذا ستفرق ثمرة العدس مثلا هذه عن ملايين حبات العدس الأخرى؟ هكذا سيسألك من لم يجرب وهكذا كنت أنت قبل أن تجرب، لكنك بعد هذه التجربة أصبحت تستشعر قدرة المولى عز وجل في خلق الكون، ستصبح أكثر تأملاً وأعمق يقيناً، تمر على الحقول فترى عظمة المولى تعشق الأرض التي أنبتت لك ثمرتك.. هكذا هي الأمومة بشكل بسيط، لن يكون مثل ذلك تماماً لكنه أقرب مثال يمكن أن يجربه الجميع.

يقترب الأبوان مع قدوم طفلهما الأول من عالم الأطفال المثير ويتفاجآن بعظمته وروعته وروعة الحياة فيه، يستغربان كيف لم ينتبهان له من قبل؟! مع أنه موجود في أغلب البيوت والعائلات. عالم الأطفال يختلط فيه الحب بالبراءة والعفوية، الذكاء والتخطيط بالتلقائية، الوعي والإدراك بالسجية البحتة، ويظلان يكتشفان عالم الأطفال مع كل طفل جديد يُرزقانه.

أين كنَّا وأين كان عقلنا حين نظرنا للأطفال بهذه النظرة القاصرة السطحية؟! ونسينا أننا فلذات أكباد آباءٍ شعروا بمثل ما نشعر به تماما مع أبنائنا بل وأكثر!

أين عقل من يثور على والديه بكلمة لا تليق!! لماذا لم يحترم المشاعر العظيمة التي جعلته رجلاً وجعلتها امرأة!.. لماذا لم يقدِّر الحب العظيم الذي أُفيض عليه حتى اشتد عوده! أم يحسب أنه سيقف على قدميه وحده دون أبويه؟!

(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا …) يقول سيد قطب –رحمه الله –: (يبدأ بالوصية بالوالدين. وكثيرا ما ترد هذه الوصية لاحقة للكلام عن العقيدة في الله أو مصاحبة لهذا الحديث. ذلك أن وشيجة الأبوة والبنوة هي أول وشيجة بعد وشيجة الإيمان في القوة والأهمية، وأولاها بالرعاية والتشريف. وفي هذا الاقتران دلالتان: أولاهما هي هذه. والثانية أن آصرة الإيمان هي الأولى وهي المقدمة، ثم تليها آصرة الدم في أوثق صورها…

«رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ»

دعوة القلب الشاعر بنعمة ربه، المستعظم المستكثر لهذه النعمة التي تغمره وتغمر والديه قبله فهي قديمة العهد به، المستقل المستصغر لجهده في شكرها. يدعو ربه أن يعينه بأن يجمعه كله: «أَوْزِعْنِي» .. لينهض بواجب الشكر فلا يفرق طاقته ولا اهتمامه في مشاغل أخرى غير هذا الواجب الضخم الكبير.

«وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ» ..

وهذه أخرى. فهو يطلب العون للتوفيق إلى عمل صالح، يبلغ من كماله وإحسانه أن يرضاه ربه. فرضى ربه هو الغاية التي يتطلع إليها. وهو وحده الرجاء الذي يأمل فيه.

«وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي» ..

وهذه ثالثة. وهي رغبة القلب المؤمن في أن يتصل عمله الصالح في ذريته. وأن يؤنس قلبه شعوره بأن في عقبه من يعبد الله ويطلب رضاه. والذرية الصالحة أمل العبد الصالح. وهي آثر عنده من الكنوز والذخائر).

 

رب احفظ لنا والدينا وأعنَّا على بِّرهم وارزقنا رضاهم وأصلح لنا ذرياتنا وأكرم بالذرية الصالحة الطيبة المباركة كل زوجين .

توارث الذكريات

أعطاني أحدهم مجموعة ذكريات تعني له الكثير وطلب منِّي الاحتفاظ بها، واختارني من بين الكثيرين لأحمل شرف الاحتفاظ بشيء كهذا، وتوقَّعَ أن أكون ممتنة بهذه الذكريات العظيمة..

لكني في الحقيقة لم أكن كذلك، فهي لا ترمز لي بشيء ولا تذكرني بأحد، ولا أشم فيها رائحة أناس فقدناهم كما يقولون..
وهذا ما أثار لدي تساؤلاً، هل من المجدي الاحتفاظ بالذكريات وتوارثها؟ 

أم أنها تفقد قيمتها  بفقدان الوريث الأول لها ؟!

إياك وكهفَ ماضيك!

​في منعطفات الحياة قرارات مصيرية تحتِّم عليك المضي في أمرٍ هو خيرٌ كبير للمستقبل البعيد، لكنه صعب جداً ..

قرارات قد تبعدك عن أحبابك وأهلك تأخذك لمكانٍ لم تزره من قبل وأشخاص لم تعرفهم ولغة لم تفهمها ..

في هذه المواقف المصيرية يتحتم عليك أن تجلس مع نفسك ساعات صفاء بعيدة عن الضغوط والأفكار، تروي الموقف على نفسك كأن أحداً ما يمر به، وتطرح عليه الحلول والقرارات الصائبة دون أن يثير الموقف عواطفك وأحاسيسك، ناقشه بالعقل والمنطق، وانظر للمستقبل ولو كان بعيداً،
 واجعل الماضي كأرشيف خبرات وذكريات، وليس كهفاً أسوداً  تلجأ إليه كلما عركتك الحياة بمنعطفاتها المؤلمة، ففي كل مرة تدخل كهف ماضيك سيصبح الخروج منه أصعب، وفي كل مرة سيُربط على ظهرك صخور من الأحزان تعرقل سيرك نحو المستقبل الجميل، وتجعل الصعود لجبل الأمل مستحيلاً، فما إن تقطع ربع المسافة وتتعب فتقف لتفكر هل من المجدي الإكمال على هذا المرتقى الصعب؟

 حتى تثقلك الصخور المعلقة على أكتافك فترمي بك نحو أسفل الطريق وتنحدر إلى داخل كهف الماضي..

وكلما هممت الخروج من هذا الكهف زاد الحِملُ على ظهرك حتى تجد نفسك يوماً ما تحمل من الأحزان والهموم أثقل من وزنك!

عندها فقط.. ستعلم أنك لو لم تدخل أول مرة إلى هذا الكهف التعيس لما دفنتك صخور الأحزان وأنت حي!!